تقاليد تمتد عبر القرون
تُعد حلاوة مولد النبي في مصر من أقدم وأبرز المظاهر الشعبية التي تُميز الاحتفال بذكرى المولد النبوي الشريف، حيث تعود جذورها إلى العصر الفاطمي في القرن العاشر الميلادي، حين اهتمت الدولة بإحياء المناسبات الدينية كمظهر من مظاهر التقرب إلى الشعب وكسب ولائه، وكانت حلوى المولد وسيلة رمزية لتجسيد الفرح والاحتفاء بولادة النبي محمد ﷺ.
بدأت الفكرة بتوزيع الحلوى على الناس، وإقامة مواكب احتفالية، وسرعان ما أصبحت “حلاوة المولد” تقليدًا سنويًا متجذرًا في الثقافة المصرية، وتنوّعت أشكالها بين العروسة الحمراء المزينة، والحصان السكرى، والسمسمية، والحمصية، والملبن، والنوغا، والمكسرات، وغيرها من الأنواع التي تطورت صناعتها مع الزمن.
صناعة قائمة بذاتها: أرقام واقتصاد موسمي
تحولت حلاوة المولد من طقس شعبي إلى صناعة موسمية ضخمة تشهد ذروتها خلال الأسابيع التي تسبق ذكرى المولد النبوي. وتُقدر قيمة هذه السوق سنويًا بمئات الملايين من الجنيهات، وتشمل عشرات المصانع وآلاف العاملين في سلاسل الإنتاج والتوزيع، سواء من مصانع الحلويات الكبرى أو الورش الصغيرة ومحلات البقالة والحلوى التقليدية.
وبالرغم من كونها موسمية، فإنها تُسهم في تحريك عجلة الإنتاج المحلي، وتدعم قطاعات السكر، والعسل، والمكسرات، والتغليف، والنقل، والإعلانات، كما تمثل فرصة ذهبية لبعض التجار لتعويض فترات الركود في باقي شهور العام.
لكن مع ارتفاع أسعار المواد الخام، خصوصًا السكر والمكسرات المستوردة، يتأثر سعر المنتج النهائي، ما يدفع كثيرًا من الأسر لتقليص الكميات المشتراة أو اللجوء إلى الأصناف الشعبية الأرخص، وهو ما يعكس تأثير الظروف الاقتصادية على نمط الاستهلاك.
البُعد الاجتماعي والنفسي
لا يمكن إنكار أن حلاوة المولد تحمل بعدًا اجتماعيًا عميقًا، فهي مرتبطة بذكريات الطفولة والفرح العائلي، وتُعد رمزًا للتواصل الأسري، حيث يحرص كثيرون على تقديمها كهدايا لأقاربهم وجيرانهم، ما يُضفي طابعًا احتفاليًا مميزًا على المناسبة.
كما أصبحت صناعة العروسة والحصان من معالم التراث المصري، رغم تراجع شعبيتها لصالح الحلويات الجاهزة، إلا أن بعض المناطق الشعبية لا تزال تحتفظ بهذه الرموز التاريخية كجزء من الهوية الثقافية.
الجانب الصحي: سكر بطعم خطر؟
رغم رمزية حلاوة المولد، إلا أن القيمة الغذائية لها تثير الكثير من الجدل، حيث تحتوي معظم الأنواع على كميات كبيرة من السكر والنشويات والدهون، ما يجعلها غير مناسبة للمرضى، خصوصًا المصابين بالسكري أو من يعانون من السمنة وأمراض القلب.
ويحذر أطباء التغذية من الإفراط في تناول هذه الحلوى، مشيرين إلى أن قطعة واحدة من “الحمصية” أو “السمسمية” قد تحتوي على ما يعادل ثلث أو نصف الاحتياج اليومي للفرد من السكر، ناهيك عن السعرات الحرارية المرتفعة.
ولذا، يُنصح بالاستهلاك المعتدل، وتفضيل الأصناف الأقل ضررًا مثل الحلوى المصنوعة من الفواكه المجففة أو المكسرات غير المحمصة، خاصةً للأطفال وكبار السن.
بين التراث والتوازن
تبقى حلاوة المولد جزءًا لا يتجزأ من الثقافة المصرية، وجزءًا من هوية احتفالية ذات طابع خاص، لكنها كذلك مؤشر على العلاقة بين التراث الشعبي والاقتصاد الحديث، وبين الذوق العام والوعي الصحي.
وفي الوقت الذي تُعد فيه هذه الصناعة مصدر دخل لآلاف الأسر، فإنها تحتاج إلى تطوير مستمر يشمل تحسين الجودة، وتقديم بدائل صحية، وتشجيع الصناعات المحلية للحد من الاعتماد على المواد المستوردة، بما يحقق توازنًا بين متعة الاحتفال وسلامة المجتم